الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام

تأليف : قسم التحرير

ناشر: مؤمنون بلا حدود

فئة: كتب

تقديم:

تدخل مصر والعالم العربي في مرحلة جديدة من الصراع بين العلمانية وحركات وطنية مختلفة من جهة، وتيارات ما يسمى الإسلام السياسي في الطرف الآخر في سياق الحراك من أجل تحقيق التنمية الشاملة. ويحتدم هذا الصراع على مستويات عدة، تشمل السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية. ومؤخراً بدا سؤال المجال العام وإعادة تأسيسه ملحاً لأقصى درجة على الساحة المصرية التي تشهد إعادة تأسيس له في مرحلة الثورة وما بعدها. وفي الآونة الأولى من الثورة، لم يبد أن المجال العام سيكون ساحة للنزاع، لأنه كان ساحة للتلاقي وإعادة التعرف على الذات والآخر. إلا أن موضوعات شائكة من قبيل السيطرة على المجال العام وتشكيله، وتصور العلاقات، والممارسات العامة بداخله، وسؤال المباح وغير المباح، والمقبول والمرفوض، والخطاب ومفرداته وتشكيله للواقع وعلاقات السلطة، أصبحت مواضيع ملحة ومستويات للنزاع.

فالثورة خلقت فرصة لتلاقي الفضاءات الاجتماعية المختلفة، ونجحت –إن لم يكن في تقارب الرؤى والتصورات- في توضيح رؤية الأطراف والممثلين الاجتماعيين والسياسيين لأنفسهم ودورهم في المجال العام وعلاقتهم بالسلطة. ومع هذا تظل حالة الاستقطاب الفكري والسياسي والمجتمعي متسيدة للمشهد والنقاش العام. ويبدو أننا أمام "خطابات متعددة" ورؤى متباينة حول المجال العام، حتى داخل التكتلات ذات التوجه الواحد. فالخطاب الإسلامي يبدو الآن متنوعا، ويحمل تصورات متعددة بداخله حول دور الأفراد وأشكال ممارساتهم داخل المجال العام والحريات العامة وأشكال تجلياتها. وكذلك الحال مع الأطياف العلمانية المختلفة.

المجال العام: صارت تلك الكلمة مفتاح السر لكثير من تحركات الثورة المصرية، بل ولفهم تداعياتها ومآلاتها والحركة الكامنة بها. وعلى الرغم من أن ذلك المصطلح صار مفتاحا لكثير من جوانب الثورة، إلا أنه يظل يحتاج إلى مفاتيح أخرى للوصول إليه. فعن أي مجال عام نتحدث؟ وكيف نعرفه وبأي شكل ونمط يمكن تخيله؟ وعن أي مجتمع نتحدث؟ هل هو المجتمع القديم أم المجتمع الجديد؟ أم هو المجتمع الافتراضي على صفحات الإنترنت؟ أم على أرض الواقع؟ وهل لدينا مجال عام في هذين الفضائين؟ أم إنه مجال متصور في كلا الواقعين؟ بل ربما علينا التساؤل عن صلب الثنائية التي تخلق ويقوم عليها المجال العام، وهى ثنائية العام والخاص. وهل يمكن الفصل بينهم وتوضيح حدود قاطعة بين المجالين؟ وإذا كانت الحداثة كمنظومة متكاملة قائمة على خلق عمليات التمثيل والتفويض مصحوبة بعمليات واسعة من الترشيد وإنتاج الذوات بما يتناسب مع ترابط أجزاء تلك المنظومة، فما هو موقع الخطابات الإسلامية منها؟ وإلي أي مدى تستبطن تلك الخطابات منظومة الحداثة؟ وكيف تفصل بين حدود المجال العام وعلاقة المجتمع المدني بخلقه، وبين دور الدولة في غزوه؟ وفي عالمنا المعاصر بشكل موسع وفي مصر على سبيل التحديد، ما هي علاقة الخطابات الإسلامية ومواقفها من النيوليبرالية التي تقوم في الأساس على خصخصة الفضاءات العامة وانتزاعها من المجتمع المدني لصالح تشارك واسع بينها وبين الدولة؟

ولنحلل سريعاً بعض ملامح المجتمع القديم. إنه ذلك المجتمع المنزوع من السياسة والمجال العام كساحة للتلاقي الاجتماعي، والنقاش والصراع السياسي. فلقد صادرت دولة يوليو هذا المجال العام لصالح التنظيم الواحد، وتحولت معه دولة الثورة إلى دولة بوليسية. وصار المجال العام منفتحا فقط على التهليل والتبجيل للسلطة الحاكمة، وبالتالي افتقر المجال العام إلى الخيارات السياسية. ولكن هذا المجال العام تم فتحه نسبياً في عصر السادات لفترة قصيرة، وسرعان ما تم غلقه لصالح اتفاقية السلام، ورداً على انتفاضة عام 77 الشعبية. وانغلق المجال العام لصالح قبضة أمنية متوحشة في عصر مبارك تحت ذريعة حربه على الإرهاب. وتشكلت ثنائية النظام في مقابل ما سمى بالتطرف الإسلامي، ثم النظام في مقابل الإخوان المسلمين.

يشكل خطاب المؤسسة والدولة طريق المجتمع الأول لمعرفة الأشياء وحقائق الأمور؛ فالسردية التي تصنع الحقيقة كانت نابعة من خطاب النظام وإعلامه المسيطر عليه. أضف إلى ذلك، التصاق أغلب النخبة الثقافية بالدولة والسلطة، سواء خوفاً من سيطرة الإسلاميين، أو كمنفذ رئيس للتأثير في الرأي العام والعمل. ولقد تمت محاصرة المجتمع في خياراته السياسية بين الإسلاميين والحزب الحاكم في ظل وجود أحزاب كرتونية لا وجود حقيقي لها في الشارع المصري.

وتأسيسا على هذا التصور، وبالأخص على ذلك المستوى المصغر (المايكرو)، يمكن القول والدفع بعدم وجود مجال عام، وبالتالي ينبغي الحديث عن كيفية تكوين مجال عام وإعادة تأسيسه لا تحليله. وربما يدفع البعض قائلاً أن هذا التصور لا يرى المجال العام إلا في مستوياته الفوقية، وأنه يوجد مجالات وفضاءات عامة على مستويات أخرى. ومن هنا تدخل فكرة الساحة العامة كحيز جغرافي في تشكيل المجال العام. وبذلك تتكون رؤيا للمجال العام في كونه حيز للتلاقي المجتمعي يتجاوز عملية العقلنة والصراع السياسي والتأثير المباشر على صناعة القرارت السياسية للدولة، وتدخل عناصر أخرى، مثل اللهو والتلاقي والإبداع والإحساس بالمكلية المشتركة.

وعلى كل، فيبدو أن الثورة المصرية تحاول استعادة المجال العام من كلا المنظورين، بل أيضاً تحاول استعادته وفقاً لتصورين فلسفيين مختلفين بالكلية، مثل تكوين مجال عام قائم على العقلانية والترشيد والإجماع، وهي وجهة نظر العالم الألماني هبرماس؛ وتصور آخر يجادل بأنه لا وجود للإجماع، بل إن الإجماع يعد في حد ذاته عملية قمعية تهميشية من المقام الفريد، وأننا أمام فضاءات اجتماعية مختلفة ومتباينة يجب العمل لا على توحيدها، وإنما على التلاقي وتفريغ الصراع بينها بشكل يعبر عن الرغبات والأشواق المختلفة لتلك الفضاءات بكافة أشكالها العقلانية واللاعقلانية. إلا أن علينا الأخذ في الاعتبار أن منظور هبرماس لا ينطلق من مجرد تصورات نظرية أو تطلعات وتأملات فلسفية لما ينبغي أن يكون. فهبرماس، يرى أنه مع توغل كل من الدولة الحديثة والرأسمالية في القرن الأخير قضت على المجال العام الذي تكون في أوروبا وأمريكا نتيجة لتطور المجتمع المدني. ويرى أن هذا التطور نتج عن محاولة البرجوازية إزاحة الإقطاع والأرستقراطية. ويرى أن المواطن لعب دورين رئيسين في إنتاج ذلك المجال العام، وهما كونه المواطن الإنساني؛ أي تمثيله لقيم إنسانية ذاتية وعامة، في ذات الوقت تمثلت في الصحف ومناقشة الآراء والحريات، والدور الثاني هو المواطن المنتج أو صاحب السلعة. وبالنسبة لهبرماس، فثنائية العام والخاص هي أساس المجال العام. ومن ثم، فهو يرى أن مأسسة المجال العام ودسترته والفصل فيه بين المجالين الخاص والعام ضرورة رئيسة في الحفاظ عليه واستدامته وضمان ترشيده وعقلنته. في المقابل في عالمنا العربي والمصري تحديداً، تمت مأسسة الدولة من فوق وخلقها من الملك وحول جسده، لا لإزاحة الملك وقطع رأسه –على حد التعبير الفوكوي. وبالتالي، فالدولة على مدار نشأتها كانت قادرة دوماً على سلبه بالأخص مع ضعف المجتمع المدني. وعلى المستوى النظري، ظل الفكر الهيجلي مسيطرا إلى حد بعيد على تصور أغلب المفكرين السياسيين عندنا، وهو فكر يرى أن غاية المجتمع المدني هو المضي نحو الدولة. بينما يرى أحد، مثل غرامشي الحركة بالعكس؛ أي أن الدولة تمضي في تحللها لصالح المجتمع المدني. وظل الخيال السياسي، وبالأخص عند الإسلاميين رهين الجموح نحو الدولة واحتلالها وتطويعها أيديولوجياً. وكذلك الحال عند كثير من اليساريين الذين يرون ضرورة الدولة كأداة تقدمية في عمليات التحديث والتغيير. وبالتالي، فالنقاش عن تحللها هو دوماً مؤجل لصالح دورها التاريخي. ومن هنا يتلاشى حديث يستطيع الفصل بين الدولة والمجال العام، يكون من شأنه توليد أفكار انعتاقية من خلاله لا من خلال الدولة، وهى مشكلة رئيسة عند الخطابات الإسلامية، حيث تجنح دوماً لعمليات شديدة التنميط من خلال الدولة كأداة متجاوزة وأسطورة وكجهاز تنفيذي. وبالتالي، تلوذ ممارسات تجنح دوماً إلى مصادرة المجال العام لصالحها، وهو الأمر الذي نراه بوضوح في ممارسات الإسلاميين في الشوارع والميادين بعد وصول الإخوان لسدة الحكم في مصر، والذي تجلى بوضوح أكبر في الدستور المصري، حيث يصادر ذلك الدستور المجال العام لصالح تزواج ثلاثي بين الدولة الأمنية القديمة متمثلة في العسكر والأجهزة الأمنية، وبين الإسلاميين، وبين النيوليبرالية متمثلة في القطاع الخاص.

ويجب الأخذ في الحسبان، بعيداً عن كل تلك الأفكار النظرية، الواقع النيوليبرالي الذي تحياه مصر منذ عام 2000 ، والذي اشتد في 2005؛ فالنيوليبرالية ومجتمع السيطرة قائمان على قتل المجال العام بشكليه الجغرافي والسياسي. فالخصخصة تقضي تماماً على ما يسمى بالخارج والفراغ والمساحة العامة، بل تعزز الانقسام المجتمعي ومساحات التلاقي بين الشرائح الاجتماعية، وتقوم على عزلها وفصلها. ويتجلى هذا الطابع في ما يسمى بالمجتمعات المسيجة والجديدة، مثل الرحاب والتجمع الخامس. فهناك لا توجد مساحات عامة للتلاقي، مثل الساحات الشعبية التي كانت تتواجد في أحياء مصر القديمة، وذلك على الرغم من وجود المساحات التي يمكن أن تلعب ذلك الدور. وبالتالي، قضت كل من الدولة الأمنية والنيوليبرالية في مصر على المجال العام وحركته.

وشيئاً فشيئاً، تولد مجال عام أو لقاء بين الفضاءات الاجتماعية المختلفة على صفحات الواقع الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي. وسرعان ما احتل هذا المجال الافتراضي أو المجازي الواقع الحقيقي بشكله الجغرافي، والذي صمم لكي لا يسمح بمثل هذا النوع من التواصل المجتمعي والسياسي. وبالفعل نجحت الثورة في تشكيل مجال عام قادر على أن يجمع في طياته كل تلك العناصر المختلفة للرؤى الفلسفية مع تكوين لم يضغط فقط على السلطة الحاكمة وجهاز الدولة، بل صنع القرارت مباشرة.

انطلاقا من الرؤيا السابقة للمشهد المصري، نظمت مؤسسة مؤمنونبلا حدود للدراسات والأبحاث ندوة علمية كان عنوانها: "الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام" قصد التعرف علىمقاربة الخطاب الإسلامي بتنوعاته المختلفة حيال إعادة تأسيس المجال العام، وإخضاع هذه المقاربة للتناول بالدراسة المعمقة لتجلية التصورات والممارسات الكامنة وراء هذه النماذج الفكرية المختلفة. وقد تضمنت الندوة أربعة محاور، تم تحديدها في الآتي:

1.موقف الخطاب الإسلامي من الحريات

2.موقف الخطاب الإسلامي من التغيير الثوري ونظم الحكم

3.تصور الخطاب الإسلامي لدور المرأة وممارساتها في المجال العام

4.تنوعات رؤية الخطاب الإسلامي بين الذات والآخر وخطوط التقارب والتباعد

والكتاب الذي نضعه بين أيديكم الآنهو نتيجة لأعمال هذه الندوة، وهو محاولة جادة ومعمقة لنقاش مواضيع حساسة بهدوء وتريث، مواضيع وإشكاليات صارت ليست فقط مجالاً للنزاع الفكري والسياسي، ولكن صارت مجالاً لتبادل النيران وتراشق المولوتوف والحجارة في الميادين.

  • قسم التحرير

    قسم التحرير

© Copyright Mominoun Without Borders 2016-2017. All Rights Reserved.