سؤال الأسس المرجعية والمنهجية لتجديد الفكر الإسلامي

تأليف : قسم التحرير

ناشر: مؤمنون بلا حدود

فئة: كتب

تقديم:

الكل يقر اليوم، بأن مطلب التجديد في العالم الإسلامي مطلب ضروري ولابد منه، إلى درجة صار معها موضوع التجديد تأصيلا معرفيا، يستند لقول منسوب للرسول عليه السلام : " يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ". فتجديد أمر الدين أمر ساري المفعول ولا اعتراض عليه، حتى من لدن التيارات الأصولية.

ولكن بالنظر إلى سياق الثقافة الإسلامية، وبالرجوع إلى القواعد والأصول التي سبق أن تم وضعها لفهمه وفهم نصوصه من لدن كبار الفقهاء، فإن أول ما يعترضنا في تاريخ الإسلام بشكل عام هو ما قام به وأصل له الإمام الشافعي(ت 204هـ) من خلال تجربته الاجتهادية في العمل على وضع القواعد المنهجية لعملية فهم وبيان النصوص الدينية (القرآن والسنة).

ومفاد تلك العملية المنهجية عند الشافعي في مجملها من خلال كتابه الرسالة، بأن القرآن يشمل مجموعة نصوص بينة وليست في حاجة إلى بيان، ويضم نصوصا أخرى فيها بعض من الإجمال أو مجملة وتكلفت السنة ببيانها، وهناك ما استقلت السنة به؛ أي ما بينته السنة وحدها، وهناك ما سماه ببيان الاجتهاد في ما حدث ولم يرد فيه نص، ويؤخذ بالقياس على ما ورد فيه نص من القرآن أو السنة.

ومن الملاحظ، أن هذه العملية المنهجية في البيان عند الشافعي يترتب عنها نسج علاقة منهجية بين النصوص الدينية بعضها بعضا من جهة، وبين الواقع من جهة ثانية، لأن تلك النصوص (القرآن والسنة) في نظر الشافعي تغطي كل أسئلة الواقع، وحتى إن لم يوجد نص يستجيب لمقتضيات الواقع، فقد يلجأ لعملية قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، وبهذا يكون الواقع بشكل مجمل تحت سلطة ومظلة النص. وتكمن خطورة هذا الطرح في شل حركة الرأي وتقييدها بالنص، إذ لا اجتهاد مع ورود نص؛ فالرأي لا كلمة له إلا بدليل النص، والاجتهاد لا يصح إلا بدليل نص يقاس عليه. وبهذا يتم تغييب التعاطي مع النص بمنطق التحليل والفهم والنظر والتدبر.

تحول هذا الهيكل الذي وضعه صاحب الرسالة للعملية البيانية، إلى أصل بنيت عليه أصول الفقه، العلم الذي يتوسل به لفهم الشريعة، والعلم كذلك الذي سارت شتى العلوم في خدمته من علوم الحديث وعلوم القرآن وعلوم اللغة... ، فلم يخرج جمهور علماء الأصول في الغالب عن الأصل والمنهج الذي وضعه الشافعي في فهم النصوص المرجعية في الإسلام (القرآن والسنة) من خلال كتابه الرسالة، الكتاب الذي تحول بحق إلى أصل، بني عليه علم أصول الفقه كله.

إن مطلب التجديد اليوم في التعاطي مع النصوص المرجعية المؤسسة للإسلام بين خيارين: خيار البقاء تحت مظلة مناهج وآليات التفكير التي قال بها الأقدمون، خاصة ما قعده علماء أصول الفقه من قواعد ومفاهيم وفقا لظرفهم الاجتماعي والثقافي... وهنا سيصبح مطلب التجديد مستلبا للماضي بكل مقولاته وأجوبته على أسئلة العصر المتعددة والمتنوعة، بشكل يحضر فيه التوفيق بين مقتضيات الحاضر وأجوبة الماضي، وبالتالي لا يمكن له أن يكون تجديدا رغم ادعاء ذلك، لكون التجديد بسط لمعرفة دينية تستجيب لأسئلة العصر ومقتضياته.

وهناك خيار الخروج من تحت مظلة مناهج وآليات التفكير التي قال بها الأقدمون، والأخذ بآليات المعرفة المعاصرة في فهم وتحليل النصوص الدينية، قصد المضي قدما نحو بسط معرفة دينية تستجيب لمقتضيات العصر وأسئلته، وهذا لا يعفينا من عملية الحفر المعرفي والمنهجي في الموروث الثقافي الإسلامي، كما يتطلب منا في الوقت ذاته الجزء الكبير من الانفتاح والأخذ بما عليه المعرفة الحديثة في شتى المجالات، بنفس يحضر فيه الخلق والإبداع والترشيد بدل النقل والاتباع، وهذا من الجزء الكبير مما يتطلبه التجديد اليوم، وننبه إلى أن هذا الأمر ليس بالأمر السهل، إذ يلتقي من خلاله جهد الأفراد والمؤسسات التي تؤمن برسالة التجديد؛ فالأمر في حاجة لكثير من الدراسات والأبحاث في شتى حقول المعرفة، وهذه مهمة الدارسين والباحثين خاصة الشباب منهم، كما أنه في حاجة لمؤسسات بحثية تعنى بتفعيل وتشبيك تلك الدراسات والبحوث والدفع بها إلى أبعد نقطة، خدمة لرسالة التجديد، وهذه بالأولى مهمة المؤسسات العلمية والثقافية في العالم الإسلامي التي ينبغي لها أن تتعالى في تصوراتها عن الأيديولوجيات والحساسيات الطائفية والمذهبية، وتتحلى بروح ما هو كوني وإنساني.

ومن أجل هذا المقصد النبيل، نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ندوة علمية بعنوان: "سؤال الأسس المرجعية والمنهجية لتجديد الفكر الإسلامي" بتنسيق مع مركز دراسات المعرفة والحضارة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان المولى سليمان. مدينة بني ملال. المغرب. لفائدة الطلبة المسجلين بسلك الدكتوراه – وحدة: "الحوار الديني والثقافي في الحضارة الإسلامية"؛

لقد حاولت الندوة وما صاحبها من نقاشات ومداخلات الطلبة الباحثين، أن تلقي الضوء بشكل منهجي على أهمية بناء المنهج وتجديده في التعاطي مع مرجعية الفكر الإسلامي بشكل يستجيب لمتطلبات العصر وفقا للسقف المعرفي الذي يحكمنا اليوم.

  • قسم التحرير

    قسم التحرير

© Copyright Mominoun Without Borders 2016-2017. All Rights Reserved.