الإصدرات الورقية

التجسير في النظام المعرفي الإسلامي

إنّ المقصود بالتَّجْسِير في النظام المعرفي الإسلامي تلك التّجربة التي خاضها العقل الإسلاميّ في صناعة العلوم والمعارف، إلى حدود القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي تقريبًا. وننطلق من فرضيّة أساسيّة تتمثّل في أنّ العقل الإسلاميّ نجح، خلال تلك المرحلة من تاريخ العقل البشريّ، في الانفتاح على العقول الحضاريّة ذات الإنتاج الإبداعي، فترجم علومها ومعارفها بشكل اختياريّ وإراديّ، وتمثّلها، وأعاد إنتاجها بما ينسجم مع ثوابته، وبما جعله يتفاعل مع محيطه الإنساني بكثير من الجرأة والإيجابيّة. لقد تراوح إنتاج العلوم والمعارف آنذاك بين المحافظة على ما تمّ نقله، والإضافة إليه وتطويره، بل تجاوزه بالابتكار والمراكمة. وكانت الميزة الأبرز للعقل الإسلاميّ هي تعدّدَ المعارفِ والعلومِ في العقل الواحد، وتداخلها وتفاعلها إلى حدّ التكامل في العديد من المسائل، فكان الباحث في مجالٍ ما، يجمع بين العلوم الدينيّة والإنسانيّة والطبيعيّة في الآن ذاته، يتنقل بعقله بين مرجعيّاتها المعرفيّة كلّها لبناء معارفه في المجال الواحد. ويدور هذا البحث على إشكاليّة مركزيّة تتمثّل في حاجة العقل العربيّ والإسلاميّ إلى التجدّد والانبعاث من أجل استعادة دوره الحضاريّ والإنسانيّ، والاستفادة من تجربته السابقة في الرّيادة والإبداع. وتنبني هذه الإشكاليّة على السؤال التّالي: لماذا يحتاج النّظام المعرفيّ الإسلاميّ اليوم إلى الانخراط في التحوّلات الجذريّة التي تشهدها مناهج البحث المعاصرة؟ وأساس المناهج الجديدة هو تفاعل العلوم والمعارف، بعد أنْ عَزَلها البحث التخصّصيّ، وأفقدها الكثير من فاعليّتها. ويتفرّع عن هذا السّؤال المركزي مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بطبيعة الشّروط الأساسيّة لاستعادة الدور الحضاري، وبسياقات هذه الاستعادة، وآليّاتها، ورهاناتها. ومن بين الأسئلة: كيف تشكّلت آليات تجربة التجسير بين المعارف التي أنجزها العقل الإسلامي، وما هي معالمها؟ وما آفاق مواكبة حالة المرور من النموذج المعرفيّ التخصّصي إلى النموذج المعرفيّ التّفاعلي والتّكاملي؟ وهل يمتلك العقل الإسلاميّ القدرة لخوض تجربة التّجاوز والتجديد استنادًا إلى تجربته السابقة؟ وكيف مثّل منهج البحث التّفاعليّ والتّكامليّ بين العلوم والمعارف في الموروث الإسلامي تجربةً في الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات؟

صلاح الدين العامري

باحث تونسي، حاصل على دكتوراه في الحضارة، جامعة منوبة. صدرت له أبحاث ومؤلفات، منها: "صناعة الذاكرة في الفكر الشيعي الإثني عشري" عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود (2016).
زر الذهاب إلى الأعلى