في المتخيل الأخروي – القيامة في القرآن أنموذجا
هذا الكتاب بحثٌ من منظور أنثروبولوجي في أحد المتخيّلات التي رافقت مسيرة الإنسان العاقل. أغوت فكرةُ النّهاية الإنسانَ فراح يُنتج ضروباً من النُبوءات والرُؤى التي تُعلن قرب السّاعة وتُشيع أشراطها. فحضرت أساطير النّهاية وأدبيّات القيامة في جلّ الثقافات تقريباً. وكشفت عن المخاوف والآمال نفسها. فإذا ما قلّبت النظر فيها، اكتشفت أنّها قد عبّرت، من جهة، عن قلقِ الإنسان من زمنه الحاضر ورغبته، من جهة أخرى، في تصوّر زمنٍ يكون أكثر عدلاً وأمناً.
ولمّا كان مجال اختصاصنا الفكر الإسلاميّ، فقد كان مدار البحث حول القيامة القرآنيّة. وقد سعينا في هذا الكتاب إلى الإجابة عن إشكاليتين أساسيتين:
ما خصائص النصّ القياميّ القرآنيّ؟ وما الذي يجعل القيامة القرآنيّة مختلفة عن النصوص الرؤياويّة اليهو-مسيحيّة؟
لقد كانت الغاية من هذا الكتاب مراجعة بعض الأفكار السائدة في البحوث الغربيّة. فإذا كانت الدراسات القرآنيّة في الغرب قد رسخت فكرة «الأخذ والاقتباس»، فإنّنا توجهنا نحو النظريات الأدبيّة لنوظّف مفاهيم التناصّ والحواريّة و«التصرّف في القول». فانتهينا إلى أنّ القيامة القرآنيّة، وإن نهلت من صور نمطيّة قديمة، فإنّها تصرّفت في هذا الموروث لتُنتج قيامة أصيلة، تختلف اختلافاً واضحاً عن القيامة في الأدبيات اليهو-مسيحيّة.